المنجي بوسنينة
388
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الذي أحدثه جابر في الصنعة حتّى غدت علما تجريبيا منظما ؛ وهو الذي صنّف جابرا مع كل من « بول » ، و « بريستلي » ، و « لافوازيه » . هذا وقد قام « كراوس » ( Kraous ) في مطلع الثلاثينات من القرن العشرين بدراسة أعمال جابر ، بذل خلالها جهودا محمودة ، أفضت به إلى أن ينشر عام 1942 - 1943 م كتابا بمجلّدين ، شغل المجلد الأول فهرسا بأسماء وأماكن المخطوطات المحفوظة في المكتبات العامّة والخاصّة . أمّا المجلّد الثاني فقد تناول فيه دراسة أعمال جابر في مجموعها بالتفصيل . وقد تضمّنت دراسته هذه أفكارا ، مفادها أن أنكر وجود جابر بن حيّان ، وأنّ الكتب ، التي يفترض أنّ جابر صنّفها ، إنّما هي كتب مزيّفة ، صنّفت في وقت متأخر ؛ علما أنّه أكد في دراسته الأخيرة هذه الوحدة المطلقة والمنطق الأصيل ضمن الأفكار الموزّعة في الكتب المختلفة ، فهي تشترك بسمات لغوية وتعبيرية معينة . ولقد تصدّى لآراء كراوس وأفكاره الباحث ، الخبير بالتراث الإسلامي ، فؤاد سزكين صاحب المجلّدات في « تاريخ التراث العربي » ، فخصّص معظم صفحات المجلّد الرابع ( نحو 600 صفحة ) للردّ على كراوس ومن أخذ بآرائه ، من أمثال « روسكا » ( Ruska ) . وقد استطاع سزكين أن يفنّد حجج كراوس حجّة إثر حجّة . بل يذهب سزكين إلى القول : « جابر بن حيّان هو أعظم صنعوي عربي ، وأحد كبار فلاسفة الطبيعة الإسلاميّين ذوي المواهب المتعدّدة » . تتضارب الأقوال في سنة ومكان ولادة جابر ؛ يرجّح أنها كانت قبل عام 107 ه / 725 م ، السنة التي يظنّ أنّ أباه حيّان قتل فيها ، وأنّ جابرا ولد - في الغالب - في الكوفة ، وتوفّي في طوس عام 200 ه / 815 م . تشير أقوال الثقات من كتّاب التراجم أنّ جابرا كان صاحب قدرات غير عاديّة ، وأنّه برع في العلوم المتداولة في زمنه بعامة وبالصنعة ( الكيمياء ) بخاصّة ؛ يقول القفطي عنه : « كان متقدّما في العلوم الطبيعيّة ، بارعا في صناعة الكيمياء ، وله فيها تآليف كثيرة ومصنّفات مشهورة » . وإنّ دراسة متأنية لما وصل إلينا من كتب جابر لتوحي أنّ الكيمياء تشغل معظمها ، وإن كان برع في غيرها كذلك . ولم تكن الكيمياء عنده شعوذة وتدليسا ، بل كانت وفق منهج مدروس يقوم على أسس وخطط حصيفة . فلقد اتبع جابر في عمله خطوات تطابق ما يتفق عليه معظم المشتغلين بالمنهج العلمي اليوم . فلا غرو أن يتساءل الدكتور زكي نجيب محمود : « أفليس من حقّ عالمنا العربي جابر بن حيّان علينا ، أن نسجّل له بالفخر والإعجاب منهجا فكريا رسمه لنفسه في القرن ( الثاني الهجري ) الثامن وأوائل القرن التاسع الميلادي ، وهو منهج لو كتب بلغة عصرنا ، ولو فصّل القول فيه قليلا ، لجاء وكأنّه من نتاج العصر الحديث ؟ ذلك لأنّ منهجه اعتمد على الاستنباط والاستقراء معا ، اعتمادا واعيا صريحا ؛ فاقرأ - مثلا - هذا الجملة الواحدة تجيء عرضا في حديثه ليصف بها منهجة : « . . . قد عملته بيدي وبعقلي من قبل ، وبحثت عنه حتّى صحّ وامتحنته فما كذب » . ويقرّر الدكتور زكي نجيب محمود في موضع آخر : « إنّ من حقّ جابر علينا أن نسجّل له هنا بهذا